وهبة الزحيلي
207
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
عليه السلام ، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد ، وأن العاقل لا بدّ له من الصبر على المكاره . التفسير والبيان : وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ ، إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ أي واذكر أيها الرسول لقومك صبر أيوب على مرضه مدة طويلة هي نحو من ثماني عشرة سنة ، حين نادى ربّه بأني قد مسني الضّر ومسّني الشيطان بمشقة وألم مضر ، وإنما نسب ذلك الضر إلى الشيطان أدبا مع اللّه تعالى كما تقدم . والذي يجب اعتقاده أن هذا المرض لم يكن منفّرا الناس منه ، وإنما هو مجرد مرض جلدي يشفى بالمياه المعدنية أو الكبريتية ، لأن شرط الأنبياء : السلامة عن الأمراض المنفّرة طبعا . روى ابن جرير وابن أبي حاتم جميعا عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : إن رسول اللّه ص قال : « إن نبي اللّه أيوب عليه السلام لبث به بلاؤه ثماني عشرة ، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين « 1 » ، كانا من أخصّ إخوانه ، كانا يغدوان إليه ويروحان ، فقال أحدهما لصاحبه : تعلم ، واللّه لقد أذنب أيوب ذنبا ، ما أذنبه أحد من العالمين ، قال له صاحبه : وما ذاك ؟ قال : منذ ثماني عشرة سنة ، لم يرحمه اللّه تعالى ، فيكشف ما به ، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له . فقال أيوب عليه السلام : لا أدري ما تقول ، غير أن اللّه عزّ وجلّ يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان ، فيذكران اللّه تعالى ، فأرجع إلى بيتي ، فأكفّر عنهما كراهية أن يذكر اللّه تعالى إلا في حق .
--> ( 1 ) يمكن تأويل هذا الرفض بالبعد المعتاد عن كل مريض ، شفقة ورحمة ، لا نفورا من المرض .